Monday, June 22, 2020

الله يرحم الجميع

شكا صديقي المدرس مما حدث له ذات يوم عندما أجبره ناظر المدرسة على الدخول مدرس احتياط (بديل) في حصة دين مسيحي، لم يكن يشتكي من إجبار الناظر له وهو خريج الأزهر أن يحل محل مدرس الدين المسيحي، فهو مدرس منفتح ولا يضع تلك الأمور في باله، بل يشتكي مما فعله معه أحد الطلبة، فهذا الصديق لا يستطيع أن يجلس بلا حديث شيق وممتع، ففتح حوارًا مع الطلبة عن عيسى والأناجيل وبعض مما يعلمه عن المسيحية، ليس دين مقارن ولا شيء من ذاك القبيل بل محاولة منه لإظهار غزارة معلوماته وقراءاته، ثم في معرض الحديث أراد الاستشهاد بنص من الكتاب المقدس فسأل إن كان مع أحدهم كتاب مقدس، فأجابوا أن فلانًا معه، فطلب منه الكتاب بحسن نية، ولكن الفتى امتنع، فأصاب الجميع الإحراج، وحاول بعض الطلبة إقناع الفتى بإعطاء الكتاب للمستر، لكنه أجاب يعني أنت يرضيك مسلم يمسك كتابك؟، قال الصديق العزيز أنه شعر بمهانة كبيرة، لكنه أنهى الموقف وقال للطالب أنه لا مشكلة ولا داعي للكتاب، وسكت الكلام، وأُكملت الحصة صمتًا، لكنه شعر بعنصرية لم يسبق أن شعر بها من قبل، ولا شعر بها مرة أخرى، وأنه منذ ذاك الحين عرف مدى قوة العنصرية وثقلها.
Add caption

فقلت له: ما حدث لك يا صديقي يذكرني بقصة حدثت مع خالي في أوائل الثمانينات (وما أدراك ما الثمانينات)،.إذ بعد وفاة جدي لأمي، وكان رجلًا محبوبًا في شارعنا، وواحد من أقدم سكانه، كما اعتادت أن تخبرني أمي، بأنه حين ابتاع هذا المنزل الذي نقطنه جميعًا، كان دورًا واحدًا وأغلب ما حوله مزارع، لذا كان بين جدي وبين الرجال المماثلين له في السن من قاطني الشارع عمار (كما يقولون). لذا حين توفاه الله حضر الكثيرين (إن لم يكن الكل) من جيراننا العزاء وتشييع الجنازة. وبعد مدة ليست بطويلة توفى عم إبراهيم وبين بيتنا وبيته بيت واحد، وكان ابنه عاطف (واحد من خمسة) مقارب لسن خالي ودرسا معًا في المدرسة الثانوية (كان خالي وقتها في السنة النهائية من كلية الهندسة)، لذا كان من الضروري أن يحضر العزاء والجنازة، ليس فقط لصداقته بعاطف ابن المرحوم، ولكن (كما قالت أمي) لصداقة العمر بين المرحومين، ولحضوره عزاء وجنازة جدي في شدة الحزن والتأثر، وأن خالي بديلًا عن العائلة يجب أن يحضر الدفن، ورغم أن مدافن العائلة كانت في قرية صغيرة على طريق المحلة، إلا أن المرحوم كان يعمل في النقل العام بالمدينة لذا قام أبناؤه الكبار بالتنسيق مع زملائه في العمل وإحضار بضعة أتوبيسات نقل عام إلى أول الشارع لنقل الرجال الراغبين في تشييع الراحل إلي مقره الأخير، لكن الابن الأصغر للمرحوم -وكان طالبًا في أولى جامعة لم يزل- حين صعد للأتوبيس ووجد خالي يجلس بين الجالسين حتى هاج وماج رافضًا أن يحضر نصراني تشييع الجنازة إلى مدافن المسلمين، وعبثًا حاول العقلاء من أهل الشارع تهدئته، وسحبه أخوه الأكبر بالقوة من الأتوبيس وكاد أن يضربه في الشارع أمام الناس، لولا تدخل العقلاء أيضًا، لكن خالي آثر السلامة وفضل أن ينزل من الأتوبيس وعزا عاطف وأخوته الأكبر عند الأتوبيس، فحاولوا خجلًا إثنائه عن النزول، والإصرار على بقائه معهم وحضور الدفن، لكنه صمم على موقفه مفضلًا إنهاء الموقف هنا بدلًا من تكراره مرة أخرى عند المدافن لا سمح الله.

ورغم مجيء الأخوة لاحقًا (ما عدا الشيخ محمد طبعًا) إلى منزلنا للاعتذار لخالي ولوالدتي عما بدر من محمد وانتهاء الأمر على مودة وبشر، إلا أن العلاقة التي كانت صداقة وعشرة بين كبار العائلتين (الله يرحمهما) صارت صباح الخير وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بين الجيل التالي.
أخيرًا، وبعيدًا عن الشيخ محمد وجيل الثمانينات، والذين هم بالمناسبة أباء وأمهات جيل الأطفال الذي كنت تدرس له حصة الدين، بعيدًا عن الأشخاص جميعًا، فإن المسيحية ليس بها هذا المفهوم عن طهارة أو نقاوة أو ديانة  من يمسك بالكتاب المقدس، فلا تمنع الحائض مثلًا من الإمساك بالكتاب أو ما شابه من المحظورات، لذا فهذا التصرف من الأطفال ليس تصرفًا دينيًّا بل طائفيًّا ينضح به المجتمع في كل مكان، للأسف.
 #Who_am_I?

Friday, June 12, 2020

إحنا موظفين يا روحي


هل مصر دولة زراعية؟ أم دول صناعية؟ أم دولة تجارية؟ أم دولة موظفين؟ 
هل يمكن إطلاق مسميات تصنيفية بهذا الشكل على دولة بهذا الحجم؟ لا أظن ذلك ممكن في هذا الزمن، لم يعد من الممكن إطلاق هذه المسميات من دون فحص ولا سند ولا إحصائيات، اللهم إلا في عالم السوشيال ميديا وجلسات المقاهي وحكايات المصاطب (إن كانت لا تزال موجودة)، فالدول الكبرى (عددًا على الأقل) تمتلك تنوع في داخلها يلزمها لتتمكن من مسايرة الحياة، فستجد مزارع ومصانع ومتاجر وستجد مؤسسات حكومية، لكن لا يزال لدي رغبة في تصنيف هذا الشعب (لا الدولة)، الشعب الذي كان زراعيًّا في معظمه مع بعض التجار والإقطاعيين والسادة، في ذلك الوقت القديم (ربما منذ زمن الفراعنة) لم يكن يعتقد المزارع البسيط أن أمامه مجال للترقي عن هذه الحياة إلَّا من خلال الوظيفة الحكومية، في العصر الحديث حدثت تغييرات، ما سمى بمحاربة الإقطاع والإصلاح الزراعي فتحت طرق أخرى أمام المزارع البسيط .. هناك طريق المال، صار المال ممكنًا بامتلاك أرض أو الدخول في مجالات جديدة للتجارة وربما الصناعة، المال صار طريقًا للخروج من دائرة الأكثرية، لكن المال ليس في متناول الكثيرين، إنما التعليم ربما يكون طريقًا لشهادة ثم وظيفة حكومية، العلم أيضًا صار طريقة، ثم صارت الشهادة طريقة، ثم صارت الشهادة متاحة للكل، الفلاح العادي يريد أن يتعلم أبناؤه، الفلاح صاحب الأرض يريد أن يتعلم أبناؤه، التاجر البسيط يريد أن يتعلم أبناؤه، التاجر الغني يريد أن يتعلم أبناؤه، حتى الموظف يريد أن يتعلم أبناؤه، وصار التعليم أقصد الشهادة كالماء والهواء أو بالأكثر كالهواء مجانية، وصارت هي الأكثرية، من يملكون المال (فلاحين وتجار وصناع) يتعلمون لأنه لا يصح ألا يتعلموا، وابن فلان وعلان متعلمين، ومن لا يملكون المال (فلاحين وتجار وموظفين) صارت الشهادة ملاذهم الأخير، قد تسمح لهم موهبة بالتفوق أو بمهنة ترفع من شأنهم، أو منفذًا إلى دولة خارجية تحسن من دخلهم، أو على أقل تقدير وظيفة حكومية، أنظر كيف تزدحم المدن وتزداد كثافة في كل يوم، بينما القرى تنفض سكانها، إنظر كيف عانت البلد ولا تزال تعاني عند محاولات تعمير وإعمار الصحراء، لا المصانع تجذب الناس ولا المزارع، فقط الوظائف الحكومية يمكنها أن تنقل الأسرة إلى السادات وتوشكى والعريش.
هذا الشعب يقدس الوظيفة الحكومية حتى وإن كانت تقتل طموحه، يقدس المرتب الشهري حتى وإن كان لا يكفيه غذاء وكساء، هذا الشعب صار يكرِّس حياته للاستقرار، وعدم المخاطرة، وعدم التنقل، وعدم التغيير، واللي فيه نصبح فيه، واللي تعرفه أحسن من اللي متعرفوش، واصبر، وتحمل، ستتغير الدنيا ولن نتغير.

شكرًا نجيب

أهوى قراءة الأدب منذ الصغر، وحين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل قرأت له المرايا والحرافيش وميرامار وثرثرة فوق النيل، وأبهرني بقدرته على السرد الطويل غير الممل. ثم قرأت لكتاب كثيرين وشعرت أن هناك ألوان وأطياف أخرى موجودة في الساحة الأدبية، يحي حقى ملك القصة القصيرة يأسرك بمن ينتقيهم من شخصيات ليحدثك عنهم، إحسان عبدالقدوس ذو طعم صحفي مميز في رواياته فتجري عينيك على الورق وتلتهم كل ما يكتب دون أن تهمل شعاراته السياسية والاجتماعية ودون أن تشعر بها فجة أو مباشرة، قرأت أيضًا مقالات أنيس منصور الخفيفة اللطيفة التي تمس فلسفة الحياة اليومية، وقرأت للعقاد وطه حسين والحكيم روايات ذات لغة رأيتها فلسفية وثقيلة (لغويًّا) (في ذلك الوقت)، ثم وقع لي أن أقرأ لخيري شلبي بغلة العرش ثم صهاريج اللؤلؤ والتي اندهشت لكونها عن موسيقار طنطاوي مشهور لم أكن أعلمه، وأبدع أيما إبداع في تصوير شخصية صالح هيصة في رواية أكثر من رائعة، لكن تظل روايته المميزة عندي هي وكالة عطية، وظننت أن خيري شلبي هو أعظم حكاء في الرواية المصرية (فيما قرأت)، ثم عاد نجيب محفوظ بعد سنين ليداعب شهيتي فقرأت له زقاق المدق وباقي من الزمن ساعة وحضرة المحترم (يا الله) والتنظيم السري وحكايات حارتنا، والسراب (ياللمهارة)، ما هذا الرجل؟ ما هذه الحرفية؟ والمقدرة على إبداع قصة ورواية من أحداث بسيطة وربما متكررة، كيف يمكنه صياغة الشخصيات ودواخلها وعلاقاتها بهذا الكم من الكلمات غير المتكررة، ما هذه المقدرة اللغوية التي تمكنه من جذب أذنك لتستمع لما يكتبه؟ صدقوني كنت أشعر أني أستمع للنص ولا أقرأه، يبدو أن نجيب يكتب وكأنه يقرأ، تشعر بسلاسة الجمل وانسيابها في حديث ممتع يبث شجون وصراعات النفس، حتى تبدو الرواية ليست مجرد قصة ولكنها في الحقيقة نظرة على الحياة، نظرة فلسفية اجتماعية نفسية تاريخية دينية، إنها منجم ممتلئ بكل هذا وأكثر، لا عجب أنه قد فاز بنوبل فهو ليس مجرد كاتب عادي، وإنما هو قامة تضاهي ديستوفسكي وترفع الشخصية المصرية إلى مائدة التشريح الأدبية العالمية لتظهر أحلامها وإحباطاتها وأفراحها وأتراحها الخاصة والقومية والإنسانية. شكرًا نجيب محفوظ لقد جعلتني أعيد نظر في القراءة والكتابة، لقد رفعت المواصفات إلى مستوى يفوق قدراتي، لكنك في الوقت ذاته منحتني متعة تدفعني أكثر وأكثر نحو هذا المجال ولو حتى كقارئ نهم وكفى.     

Wednesday, June 10, 2020

أدبح لك جوزين حمام

الراجل فرحان انه لقى طريقة سهلة ينيم بها ابنه.
30 ثانية والواد الزنان بيبقى في سابع نومه، طبعاً عايزين تعرفوا الطريقة.
أبداً الراجل بيحكى لابنه تفاصيل يومه في الشغل.
في ناس بتقول برافو عليه، اكتشفها ازاى دى ؟
في ناس تقول يا حرام، شغلانته مملة جداً للدرجة اللى تخللى الواد نام منه وهو بيحكى.
وفى ناس بتقول مسكين الراجل ده: مش بس زهقان من شغلته، ومش بس مش لاقى حد يفضفض معاه غير البيبى الصغير اللى مش ح يفهم كلامه، إنما كمان الواد سابه ونام.
وانا صغير، مش صغير قوى يعنى، في ابتدائي كده، كنت ساعات ب اروح أنام مع جدى.
جدي ما كانتش تحلاله النومة إلا لما يشغل الراديو، أنا م اعرفش انام وفى حاجة عاملة صوت جمبى، لو أغنية شغالة .. تلاقينى ب ادندن معاها، لو نشرة أو مسلسل أو حتى حوار، تلاقينى مطرطق ودنى ومركز علشان اسمع بيقولوا إيه.
أنا معنديش مشكلة مع الدوشة، أنا ممكن أنام في الدوشة، بس تبقى دوشة مالهاش معنى، صوت كلاكسات، هيصة شارع مش باين ملامحها من بعيد، صوت غسالة (هاى هي)، كل ده مش مشكلة بالنسبة لى، لكن حد يتكلم .. تلاقينى طرطقت وداني علشان اسمعه وافهم واحلل ويمكن اناقش اللى بيقوله (بينى وبين نفسى طبعاً).
بنتى الصغيرة مبتطيقش الصوت، ممنوع حد يتنفس جمبها وهى نايمة، لكن وهى صغيرة ما كانتش تنام إلا لما تتطمن إنك باصص لها، كنت أشيلها واهزها واغنيلها و و و ولا حاجة جابت نتيجة، لحد ما اكتشفت الطريقة بص عليها، وخليك باصص، كل شوية ح تغمض عنيها وترجع تفتحهم علشان تتأكد إنك باصص، لو مش باصص تلاقيها صحيت وصحصحت ويمكن تعيط، لو لقيت عينيك عليها، ترمى الجفن مكانه وتنام، مرة في مرة تروح في النوم، لما كبرت شوية بقت بتمد إيدها، أه صدقنى، لو لقتنى مش باصص عليها تمد إيدها تجيب وشي وتلفه ناحيتها، وتنام.
الكبيرة بقى عسولة، كل اللى يهمها انها في حضنك، أو إيدك على ضهرها أو بتلعب في شعرها، أي حاجة، طالما لامسها ... تنام وهى متطمنة.