أهوى قراءة الأدب منذ الصغر، وحين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل قرأت له المرايا والحرافيش وميرامار وثرثرة فوق النيل، وأبهرني بقدرته على السرد الطويل غير الممل. ثم قرأت لكتاب كثيرين وشعرت أن هناك ألوان وأطياف أخرى موجودة في الساحة الأدبية، يحي حقى ملك القصة القصيرة يأسرك بمن ينتقيهم من شخصيات ليحدثك عنهم، إحسان عبدالقدوس ذو طعم صحفي مميز في رواياته فتجري عينيك على الورق وتلتهم كل ما يكتب دون أن تهمل شعاراته السياسية والاجتماعية ودون أن تشعر بها فجة أو مباشرة، قرأت أيضًا مقالات أنيس منصور الخفيفة اللطيفة التي تمس فلسفة الحياة اليومية، وقرأت للعقاد وطه حسين والحكيم روايات ذات لغة رأيتها فلسفية وثقيلة (لغويًّا) (في ذلك الوقت)، ثم وقع لي أن أقرأ لخيري شلبي بغلة العرش ثم صهاريج اللؤلؤ والتي اندهشت لكونها عن موسيقار طنطاوي مشهور لم أكن أعلمه، وأبدع أيما إبداع في تصوير شخصية صالح هيصة في رواية أكثر من رائعة، لكن تظل روايته المميزة عندي هي وكالة عطية، وظننت أن خيري شلبي هو أعظم حكاء في الرواية المصرية (فيما قرأت)، ثم عاد نجيب محفوظ بعد سنين ليداعب شهيتي فقرأت له زقاق المدق وباقي من الزمن ساعة وحضرة المحترم (يا الله) والتنظيم السري وحكايات حارتنا، والسراب (ياللمهارة)، ما هذا الرجل؟ ما هذه الحرفية؟ والمقدرة على إبداع قصة ورواية من أحداث بسيطة وربما متكررة، كيف يمكنه صياغة الشخصيات ودواخلها وعلاقاتها بهذا الكم من الكلمات غير المتكررة، ما هذه المقدرة اللغوية التي تمكنه من جذب أذنك لتستمع لما يكتبه؟ صدقوني كنت أشعر أني أستمع للنص ولا أقرأه، يبدو أن نجيب يكتب وكأنه يقرأ، تشعر بسلاسة الجمل وانسيابها في حديث ممتع يبث شجون وصراعات النفس، حتى تبدو الرواية ليست مجرد قصة ولكنها في الحقيقة نظرة على الحياة، نظرة فلسفية اجتماعية نفسية تاريخية دينية، إنها منجم ممتلئ بكل هذا وأكثر، لا عجب أنه قد فاز بنوبل فهو ليس مجرد كاتب عادي، وإنما هو قامة تضاهي ديستوفسكي وترفع الشخصية المصرية إلى مائدة التشريح الأدبية العالمية لتظهر أحلامها وإحباطاتها وأفراحها وأتراحها الخاصة والقومية والإنسانية. شكرًا نجيب محفوظ لقد جعلتني أعيد نظر في القراءة والكتابة، لقد رفعت المواصفات إلى مستوى يفوق قدراتي، لكنك في الوقت ذاته منحتني متعة تدفعني أكثر وأكثر نحو هذا المجال ولو حتى كقارئ نهم وكفى.

No comments:
Post a Comment