Friday, June 12, 2020

إحنا موظفين يا روحي


هل مصر دولة زراعية؟ أم دول صناعية؟ أم دولة تجارية؟ أم دولة موظفين؟ 
هل يمكن إطلاق مسميات تصنيفية بهذا الشكل على دولة بهذا الحجم؟ لا أظن ذلك ممكن في هذا الزمن، لم يعد من الممكن إطلاق هذه المسميات من دون فحص ولا سند ولا إحصائيات، اللهم إلا في عالم السوشيال ميديا وجلسات المقاهي وحكايات المصاطب (إن كانت لا تزال موجودة)، فالدول الكبرى (عددًا على الأقل) تمتلك تنوع في داخلها يلزمها لتتمكن من مسايرة الحياة، فستجد مزارع ومصانع ومتاجر وستجد مؤسسات حكومية، لكن لا يزال لدي رغبة في تصنيف هذا الشعب (لا الدولة)، الشعب الذي كان زراعيًّا في معظمه مع بعض التجار والإقطاعيين والسادة، في ذلك الوقت القديم (ربما منذ زمن الفراعنة) لم يكن يعتقد المزارع البسيط أن أمامه مجال للترقي عن هذه الحياة إلَّا من خلال الوظيفة الحكومية، في العصر الحديث حدثت تغييرات، ما سمى بمحاربة الإقطاع والإصلاح الزراعي فتحت طرق أخرى أمام المزارع البسيط .. هناك طريق المال، صار المال ممكنًا بامتلاك أرض أو الدخول في مجالات جديدة للتجارة وربما الصناعة، المال صار طريقًا للخروج من دائرة الأكثرية، لكن المال ليس في متناول الكثيرين، إنما التعليم ربما يكون طريقًا لشهادة ثم وظيفة حكومية، العلم أيضًا صار طريقة، ثم صارت الشهادة طريقة، ثم صارت الشهادة متاحة للكل، الفلاح العادي يريد أن يتعلم أبناؤه، الفلاح صاحب الأرض يريد أن يتعلم أبناؤه، التاجر البسيط يريد أن يتعلم أبناؤه، التاجر الغني يريد أن يتعلم أبناؤه، حتى الموظف يريد أن يتعلم أبناؤه، وصار التعليم أقصد الشهادة كالماء والهواء أو بالأكثر كالهواء مجانية، وصارت هي الأكثرية، من يملكون المال (فلاحين وتجار وصناع) يتعلمون لأنه لا يصح ألا يتعلموا، وابن فلان وعلان متعلمين، ومن لا يملكون المال (فلاحين وتجار وموظفين) صارت الشهادة ملاذهم الأخير، قد تسمح لهم موهبة بالتفوق أو بمهنة ترفع من شأنهم، أو منفذًا إلى دولة خارجية تحسن من دخلهم، أو على أقل تقدير وظيفة حكومية، أنظر كيف تزدحم المدن وتزداد كثافة في كل يوم، بينما القرى تنفض سكانها، إنظر كيف عانت البلد ولا تزال تعاني عند محاولات تعمير وإعمار الصحراء، لا المصانع تجذب الناس ولا المزارع، فقط الوظائف الحكومية يمكنها أن تنقل الأسرة إلى السادات وتوشكى والعريش.
هذا الشعب يقدس الوظيفة الحكومية حتى وإن كانت تقتل طموحه، يقدس المرتب الشهري حتى وإن كان لا يكفيه غذاء وكساء، هذا الشعب صار يكرِّس حياته للاستقرار، وعدم المخاطرة، وعدم التنقل، وعدم التغيير، واللي فيه نصبح فيه، واللي تعرفه أحسن من اللي متعرفوش، واصبر، وتحمل، ستتغير الدنيا ولن نتغير.

No comments:

Post a Comment